الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

283

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

لكن بعد هذا العتاب الملئ بالحزن والأسى رجع يعقوب إلى قرارة نفسه وقال : فصبر جميل أي أنني سوف أمسك بزمام نفسي ، ولا أسمح لها بأن تطغى علي بل أصبر صبرا جميلا على أمل بأن الله سبحانه وتعالى سوف يعيد لي أولادي ( يوسف وبنيامين وأخوهم الأكبر ) عسى الله أن يأتيني بهم جميعا فإنه هو العالم بواقع الأمور والخبير بحوادث العالم ما مضى منها وما سوف يأتي ، ولا يفعل إلا عن حكمة وتدبير إنه هو العليم الحكيم . ثم بعد هذه المحاورات بين يعقوب وأولاده ، استولى عليه الحزن والألم ، وحينما رأى مكان بنيامين خاليا عادت ذكريات ولده العزيز يوسف إلى ذهنه ، وتذكر تلك الأيام الجميلة التي كان يحتضن فيها ولده الجميل ذا الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة والذكاء العالي فيشم رائحته الطيبة ويستعيد نشاطه ، أما اليوم فلم يبق منه أثر ولا عن حياته خبر ، كما أن خليفته ( بنيامين ) أيضا قد ابتلي مثل يوسف بحادث مؤلم وذهب إلى مصير مجهول لا تعرف عاقبته . حينما تذكر يعقوب هذه الأمور ابتعد عن أولاده واستعبر ليوسف وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف أما الاخوة فإنهم حينما سمعوا باسم يوسف ، ظهر على جبينهم عرق الندامة وازداد خجلهم واستولى عليهم الحزن لمصير أخويهم بنيامين ويوسف ، واشتد حزن يعقوب وبكاؤه على المصائب المتكررة وفقد أعز أولاده وابيضت عيناه من الحزن لكن يعقوب كان - في جميع الأحوال مسيطرا على حزنه ويخفف من آلامه ويكظم غيظه وأن لا يتفوه بما لا يرضى به الله سبحان وتعالى فهو كظيم . يفهم من هذه الآيات أن يعقوب لم يكن فاقدا لبصره ، لكن المصائب الأخيرة وشدة حزنه ودوام بكائه أفقده بصره ، وكما أشرنا سابقا فإن هذا الحزن والألم والعمى كان خارجا عن قدرته واختياره ، فإذا لا يتنافى مع الصبر الجميل .